الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
213
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والدابة : ما دبّ على وجه الأرض ، أي مشى . وغلب هنا الإنسان فأتي بضمير العقلاء مرادا به الإنسان وغيره مرتين . وتنكير ماءٍ لإرادة النوعية تنبيها على اختلاف صفات الماء لكل نوع من الدواب إذ المقصود تنبيه الناس إلى اختلاف النطف للزيادة في الاعتبار . وهذا بخلاف قوله : وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [ الأنبياء : 30 ] إذ قصد ثمة إلى أن أجناس الحيوان كلها مخلوقة من جنس الماء وهو جنس واحد اختلفت أنواعه ، فتعريف الجنس هناك إشارة إلى ما يعرفه الناس إجمالا ويعهدونه من أن الحيوان كله مخلوق من نطف أصوله . وهذا مناط الفرق بين التنكير كما هنا وبين تعريف الجنس كما في آية وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [ الأنبياء : 30 ] . و مِنْ ابتدائية متعلقة ب خَلَقَ . ورتب ذكر الأجناس في حال المشي على ترتيب قوة دلالتها على عظم القدرة لأن الماشي بلا آلة مشي متمكنة أعجب من الماشي على رجلين ، وهذا المشي زحفا . أطلق المشي على الزحف بالبطن للمشاكلة مع بقية الأنواع . وليس في الآية ما يقتضي حصر المشي في هذه الأحوال الثلاثة لأن المقصود الاعتبار بالغالب المشاهد . وجملة : يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ زيادة في العبرة ، أي يتجدد خلق اللّه ما يشاء أن يخلقه مما علمتم وما لم تعلموا . فهي جملة مستأنفة . وجملة : إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تعليل وتذييل . ووقع فيه إظهار اسم الجلالة في مقام الإضمار ليكون كلاما مستقلا بذاته لأن شأن التذييل أن يكون كالمثل . [ 46 ] [ سورة النور ( 24 ) : آية 46 ] لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 46 ) تذييل للدلائل والعبر السالفة وهو نتيجة الاستدلال ولذلك ختم بقوله : وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ، أي إن لم يهتد بتلك الآيات أهل الضلالة فذلك لأن اللّه لم يهدهم لأنه يهدي من يشاء . والمراد بالآيات هنا آيات القرآن كما يقتضيه فعل أَنْزَلْنا ولذلك لم تعطف هذه الجملة على ما قبلها بعكس قوله السابق وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ [ النور : 34 ] . ولما كان المقصود من هذا إقامة الحجة دون الامتنان لم يقيد إنزال الآيات بأنه إلى